قصة حياة أبو الريحان البيروني - الكاتب (حمزة العمايرة) - مجتمع لازم تفهم

al-biruni-biography-قصة-حياة-ابو-الريحان-البيروني

نبذة عن حياته :

هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني ، وُلِدَ يوم الجمعة الخامس من سبتمبر عام 973 ميلادي، الموافق السابع من ذي الحجة عام 363 هجري  في بلدة كاث  - وهي إحدى مدن خوارزم -  وقيل أن ( البيروني ) هي كلمة فارسية الأصل وتُطلق على من يعيش خارج البلدة .


كان والد محمد يعمل تاجراً صغيراً و لكنَّهُ توُّفِّيَ و كان مُحمَّد ما يزالُ طفلاً، فلم تجد أم محمد إلا أن تكسب رزقها عن طريق جمع الحطب هي وابنها و بيعه في البلدة ، و في يوم من الأيام كان محمد يجمع الحطب في الغابة، فرأى عالِماً يونانياً يجمع الزهور و النباتات، فسأل محمد العالم اليوناني : لماذا تقطع الزهور والنباتات يا سيدي ؟!  فأجابه العالم : إني أجمعها من أجل العلم يا بني، فمِنها نأخذ الأدوية و العقاقير ، فقال محمد : إذاً أنت عالم نبات يا سيدي، فأجابه العالم اليوناني : نعم يا بني ، ثم نظر العالم اليوناني في وجه محمد وقال له : إني أراك تحب الزهور يا بني ، فأجابه : نعم يا سيدي وأحب أيضاً كل ما يتعلق بالطبيعة، فقال له العالم أتحب يا بني بأن أعلمك ما أعرفه عن النبات، فقال محمد : أرغب بذلك لكن والدتي تعتمد علي في جمع الحطب لكسب الرزق، فقال العالم : ما رأيك يا بني في أن تساعدني بجمع الزهور و النباتات و أعلمك أسراري و أدفع لك ما يكفيك لك و لِأُمِّك ، فوافق محمد على ذلك و بدأ العالم بتعليم محمد ما يعرفه عن النبات، و دُهِشَ عندما عَلِمَ أن مُحمَّد يُتقِن العربية و الفارسية، فراح العالم يُعلِّم محمد اللغتين اليونانية و السريانية، و قال له : يا بني إني أعلمك هذه اللغات لكي تتعرف على علوم الأقدمين و علوم المعاصرين لك في الزمان، و كان محمد يبلغ من العمر 11 عاماً .

مضت بضع سنوات أتقن مُحمَّد فيها اليونانية و السريانية و كان قد تعلم من العالم اليوناني الكثير من علوم النبات، فقال العالم لمُحمَّد : آن لي يا بني بالعودة إلى أهلي و وطني، فقد طال الغياب و إن أكملت طريق العلم لسوف تُصبِح عالِماً عظيماً ، و لسوف أُعرِّفَكَ يا بني بِعالِم من الأسرة الخوارزمية الحاكمة، إنه عالم الفلك و الرياضيات ( أبو نصر منصور ابن علي بن عراق ) فحزن محمد لرحيل أستاذه الأول، و لكنه بنفس الوقت فرح للقائه عالم الرياضيات و الفلك منصور بن علي ، جهَّز العالم اليوناني محمد للقاء الأمير و ألبسه لِباساً جميلاً و عطَّرَهُ بالمِسك و ذهب إلى لقاء الأمير العالِم ، رحب الأمير بمحمد و قرَّبَهُ إليه و إشترى له منزلاً قريباً من القصر ليسكن فيه هو و أمه و أجرى عليه راتباً شهرياً و خصص له غرفة في القصر لكي يدرس فيها على يدي الأمير ( منصور ابن علي ) .

فكَّر مُحمَّد في معرفة الموقع الجغرافي لمدينة ( كاث )، و بالنسبة لخط العرض، فصنع لذلك حلقة مقسومة إلى أنصاف الدرجات، رصد بها ارتفاع الشمس عن الأرض فوق المدينة في وقت زوال الظهر، و بالحسابات الرياضية نجحت محاولة محمد بن أحمد وعرف خط العرض الذي تقع عليه مدينة كاث، ثم قام بإطلاع مُعلِّمُهُ ( أبو نصر منصور بن علي ) على اكتشافه و كان هذا الاكتشاف أول اكتشاف قام به في ريعان شبابه ، فرح أبو نصر بما قام به محمد وقال له : آن لك يا بني أن أقدمك إلى العالم و الحكيم ( عبد الصمد بن عبد الصمد ) ليعلمك الأسرار النائية التي تتصل بالأجرام و الأجسام السماوية قدر ما تريد . ففرح بذلك، و صار محمد يدرس على يد العالم عبد الصمد إلى أن بلغ من العمر 23 عاماً كان فيها عرف من الأسرار التي يعرفها العالم عبد الصمد الكثير.

لم يقتصر محمد على الحياة العلمية فقط ، بل إشترك أيضاً بالحياة السياسية في خوارزم و إنضم إلى أنصار خوارزم ( شاه أبي العباس ) الذي أُغتيل عام 385 هجري / 995 ميلادي، فخاف محمد بن أحمد على أمه في بيتها بمدينة كاث وقرر محمد بأن يفر من وطنه مع مجموعة من العلماء و ترك أمه ورائه و أعطاها ما يكفيها من المال . 

سافر البيروني إلى مدينة ( ري ) و كان فقيراً جداً، حتى أن بعض المُنجِّمين كانوا يسخرون منه لسوء مظهره و للباسه المُمزَّق، إلى أن تغير حال البيروني بالكامل و ذلك بفضل الله ثم الفلكي ( الخو جندى ) الذي أُعجب بالبيروني فصار صديقاً له و اتَّخذه مُساعِداً له في أبحاثه الفلكية في مرصد أُقيمَ بأعلى جبل في مدينة (ري) و كان العالم الفلكي ( خو جندى ) مُكلَّفاً من الأمير فخر الدولة بسلسلة من الأرصاد الفلكية، حيث صنع آلة رصد مُسدَّسة الشكل، سمَّاها ( آلة السدس الفخرية ) فإستغل البيروني هذه الفرصة و كتب وصفاً مُفصَّلاً لهذه الآلة في كُتيِّب أسماهُ (( حكاية الآلة المُسمَّاة بالسُدس الفخري )) و هذا كان كتيبه الأول، و كان قد بلغ من العمر حوالي 26 عاماً .

إستقرَّت الأحوال في وطن البيروني فعاد إلى مدينة كاث و فرِحَت أُمهِ بعودته بعد هذه المدة و لكن لم يستقر البيروني في كاث طويلاً حيث سافر من جديد إلى مدينة بُخارى و كان قد بلغ مكانة علمية سامية و منزِلةٌ أدبية عالية و راح يتردد على مكتبة بُخارى الضخمة المُلحقة بقصر السلطان، حيث تعرَّف فيها على العالم إبن سينا و لم يكن يتجاوز إبن سينا 18 من العمر ، توطدت العلاقة بين البيروني و إبن سينا فأعان ابن سينا البيروني و قدَّمَهُ للسلطان منصور الثاني فأحسن المنصور لقائُه و حاورهُ و أُعجَب بهِ لمعرفته بأربع لغات و بعِلمِهِ في جميع العلوم، فأعطاه راتباً شهرياً و ضمَّهُ لمجلس العلماء .

أُعجَب السُلطان و باقي العلماء بالبيروني لذكائِهِ و حُسن خُلُقِهِ و قدَّم البيروني للسُلطان كتابيه ( الجماهير في معرفة علم الجواهر ) و كتابُهُ الآخر ( النسب التي بين الفلزات و الجواهر في الحجم ) فضمَّها السلطان إلى مكتبته و نسخها في أرجاء بُخارى و كافأ البيروني على إنجازاته العلمية .

و لمَّا كان البيروني في بُخارى، جاء الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى بُخارى في زيارة و جلس في مجلس العلماء و استمع لأرائهم، و أُعجب بالبيروني، فذهب إليه و دعاه إلى جرجان، و هي تقع في الجنوب الشرقي لبحيرة قزوين ، و لكن البيروني اعتذر منه، فقَبِلَ الأمير شمس المعالي باعتذار البيروني و قال له : أنت مُرَحبٌ بك في أي وقت في جرجان ، فشكره البيروني وعاد شمس المعالي إلى جرجان ولكن البيروني لم يمكث في بخارى طويلاً فقد توفي السلطان منصور الثاني و اضطربت بُخارى، فأحس البيروني بأن موعد رحيله قد جاء، فسافر إلى جرجان وكان قد بلغ من العمر 31 عاماً و كان ذلك في عام 1004 ميلادي / 394 هجري .

إستقبل الأمير شمس المعالي، البيروني، و رحَّب به في قصره و ضمَّهُ لمجلس العلماء و في بلاط جرجان أنجز البيروني أول مؤلف من مؤلفاته الكبرى وأعظمهم ( الآثار الباقية عن القرون الخالية ) و أهداهُ إلى الأمير شمس المعالي و معهُ رسائل ثلاث في الحساب العشري و الرصد الفلكي و الإسطرلاب الذي بواسطته يعرف الفلكيون ارتفاع الكواكب و النجوم ، و في نفس السنة تمكن البيروني من رصد خسوفين للقمر و اكتشف أنه سوف يحدث خسوف في مدينة الجرجانية في شهر اغسطس فاستأذن من الأمير شمس المعالي بالذهاب إلى مدينة الجرجانية فوافق الأمير شمس المعالي .

إنطلق البيروني في رحلته إلى جرجانية و إنتظر حدوث الخسوف وتمكن من رصده ، لاحظ الأمير المأمون بن المأمون وجود البيروني في جرجانية فاستدعى البيروني إليه و رحَّب به و طلب منه إجراء الأرصاد الفلكية و غيرها من التجارب العلمية، فوافق البيروني على إجراء الأرصاد و لكن سُرعان ما توقف عمله هنالك عندما سمع أن الأمير شمس المعالي ليس راضياً عن عمله عند الأمير المأمون بن المأمون، فسارع للعودة إلى جرجان و عاش هنالك ما يُقارِب السبع سنوات ، وعندما شارفت السنة السادسة على الانتهاء نشبت ثورة عسكرية ضد الأمير شمس المعالي أطاحت بعرشه وقضت على حياته.

عاد البيروني إلى جرجانية وكان عمره آن ذاك 38 عاماً وكان ذلك الحدث عام 1010 ميلادي / 400 هجري .
فرح الأمير المأمون بن المأمون بعودة البيروني إلى جرجانية حيث أصبحت الجرجانية عاصمة الدولة الخوارزمية الجديدة ، سارع البيروني إلى حضن أمه في مدينة كاث وأحضرها معه إلى مدينة الجرجانية ، ضم الأمير المأمون البيروني إلى مجمع العلوم و الذي كان من بين علماء المجمع ( عبد الصمد بن عبد الصمد الحكيم ) وهو أستاذ البيروني القديم والعالِم ( ابن مسكويه ) ، توطدت العلاقة بين الأمير المأمون والبيروني حتى أن المأمون اتخذ البيروني مُستشاراً سياسياً له و أسكنهُ في قصرِه .

لم يشغل الواجب السياسي البيروني عن التأليف والرصد و الابتكار، فقد كتب في تلك الفترة كتاب ( التفهيم لأوائل صناعة التنجيم ) وكتاب ( تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن ) وكتاب ( الكتاب في الإسطرلاب )، و أيضاً قام البيروني بإقامة حلقة رصد كبيرة أجرى بها الكثير الكثير من الأرصاد لارتفاعات الشمس في أوقات الزوال وقام بصنع كرة كبيرة رسم عليها الأقاليم و البلدان و حدَّدَ عليها خطوط العرض و الطول، فكان أول من وضع أصول الرسم للخرائط على سطح الكرة و إبتكر خريطة مستديرة للعالم و نقلها من الصورة الكروية إلى الورق المسطح لأول مرة .

كان الأمير المأمون بن المأمون مُتَزوِّج من أخت السلطان محمود الغزنوى، و بسبب هذه المُصاهرة حمى السلطان محمود بخارى و خاصةً الجرجانية من الغزو، و في يوم من الأيام ثار القواد على الأمير المأمون بن المأمون لأنه أمر بذكر إسم السلطان محمود في خطبة الجمعة، فأحاط الثوار قصر الأمير المأمون في بيته و قتلوه و أخذوا زوجته أسيرة معهم و لحسن حظ البيروني أنه لم يكن في القصر بذلك اليوم ، فلما سَمِعَ السلطان محمود الغزنوى بما حصل لصِهرِهِ و أُختِهِ غضِبَ غضباً شديداً و حمل جيشه و سار به إلى الجرجانية وكان ذلك في شهر يوليو 1017 ميلادي الموافق في شهر محرم 408 هجري ، و في ذلك الوقت عَلِمَ البيروني بما حصل للأمير المأمون و عَلِمَ أيضاً بقدوم السلطان محمود الغزنوى، فعزم البيروني على الرحيل عن جرجانية مع أمه لعلمه أن السلطان محمود يبغض و يكره علماء الحياةِ الدُنيا و يوقِّر علماء الدين ، و عندما وصل السلطان محمود الغزنوى إلى جرجانية أمسك بالثوار الذين قتلوا صِهرَهُ واخذوا أخته رهينة وقتلهم جميعاً، وبعدما انتهى منهم اتجه إلى مجلس العلماء وألقى عليهم تُهمِ الكفر والزندقة و أمر بقتلهم جميعا و من بينهم معلم البيروني ( عبد الصمد بن عبد الصمد الحكيم ) ، لم يفلح البيروني بالخروج من جرجانية فلقد أمسكه جنود السلطان محمود الغزنوى و ذهبوا به إليه فأراد السلطان أن يفعل به ما فعله بباقي العلماء إلا أن بعضاً من رجال السلطان المُقربين وعلى رأسهم الوزير ( أحمد ) نجحوا بإقناع السلطان بقيمة البيروني وأنه مطلوب للعمل مع الأمراء والسلاطين، فرضي السلطان محمود الغزنوى بالإعفاء عنه و لكنه أمرهم بأخذه إلى مدينة غزنة وهي عاصمة الدولة الغزنوية والتي تقع حاليا داخل حدود أفغانستان، و كان البيروني قد بلغ من العمر 45 عاماً .

وصل البيروني إلى غزنة وعاش في قرية جيفور ، كان البيروني في حالة فقر و بؤس شديدين ولكن ذلك لم يمنع البيروني من تأليف الكتب فألف كتاب أسماه ( التحديد ) و قام بأرصاد لتحديد خط عرض قرية جيفور ولم يكن مع البيروني المال لشراء آلات الرصد اللازمة ولذلك قام البيروني بصنع لوحة حسابية وضع عليها قوساً مُدرجاً و إستطاع تحديد خط عرض جيفور ، أمضى البيروني في جيفور ثلاث سنين كان فيها قد تعلم اللغة السنسكريتية وهي إحدى لغات الهند المنتشرة، لظِنِّهِ أنه سوف يحتاجها في يوم من الأيام . و كان ظن البيروني في محله، فقد كان السلطان محمود الغزنوى قد مد حدود الدولة الغزنوية إلى شبه القارة الهندية و كان البيروني ما يزال يلقى الإهمال وسوء المعاملة من  السلطان محمود ، و في يوم من الأيام استدعى السلطان محمود، البيروني، و قال له : سنصطحبك معنا يا أبا الريحان إلى الهند لِتُدوِّن لنا مالا نعرفه نحن المسلمين عن الهند، فلن تنتشر الدعوة الإسلامية في الهند إلا بهذه المعرفة .

خرج البيروني مع السلطان محمود الغزنوى إلى الهند وحضر معه 13 غزوة في المنطقة الشمالية الغربية من الهند حيث أُتيح للبيروني أن يحيط بكنوز علوم الهند كما اختلط بعلماء الهند و جالسهم و حادثهم حتى توصل إلى ما عندهم من الحكمة و المعرفة، و درس البيروني عادات الهنود و تقاليدهم و قد سهَّلت معرفة البيروني باللغة السنسكريتية الإطلاع على كتبهم في شتى المجالات و قد ظهرت ثمرة كل ما عرفه عن الهند في كتابه :
( تحقيق ما للهند من مقولة ، مقبولة في العقل أو مرذولة ) و ضمَّ هذا الكتاب معلومات عن الهند كانت جديدة على المسلمين و ظلت جديدة على الثقافة الغربية حتى أواخر القرن الثامن عشر ميلادي، و إشتهر هذا الكتاب بين علماء الجغرافيا و التاريخ في أوروبا بإسم ( تاريخ الهند ) .

و إستطاع البيروني أيضاً أن يُحدِّد بالأرصاد خطوط العرض لإحدى عشر مدينة هندية قام بزيارتها من أصل 69 مدينة هندية رآها، و إستطاع أيضاً أن يعرف قُطر الأرض و طول مُحيطُها مُستعيناً بمسقط ظل جبل و بالحسابات الرياضية الهندسية و أتاحت له هذه الرحلة للهند أن يتحدث لأول مرة عن تاريخ الرياضيات عند العرب و عند الهنود، و لولا صُنعه هذا لاندثر هذا التاريخ إلى الأبد .

و قد نقل البيروني عدداً من الكتب من اللغة السنسكريتية إلى اللغة العربية و بالعكس أيضاً من اللغة العربية إلى اللغة السنسكريتية فبذلك حقق ما طلبه منه السلطان محمود الغزنوى ، وفي عام 420 هجري / 1029 ميلادي، توفي السلطان محمود الغزنوى وتولى الحكم ابنه مسعود بن محمود الغزنوى وكان عمر البيروني قد جاوز 58 عاماً و قد بدأت أمراض الشيخوخة بالظهور على البيروني .

كان السلطان مسعود عكس أبيه تماماً، فقد كان مسعود مُحباً للعِلم و العلماء و مُتسامحاً عطوفاً، و كان أيضاً قبل توليه الخلافة صديقاً للبيروني ، سمح السلطان مسعود الغزنوى بعودة البيروني إلى أمه في جرجانية، فذهب البيروني لزيارتها ثم عاد إلى غزنة و قد أخذها معه .

لم يدُم فرح البيروني كثيراً، فقد توفيت أمه فحزن عليها حزناً شديداً ، قوية العلاقة بين السلطان مسعود الغزنوى و البيروني فقرَّبهُ إليه و ضمَّهُ إلى بلاطهُ و أحاطهُ بالرعاية و التقدير ، كتب البيروني كتاباً في الهيئة و النجوم أسماه : ( القانون المسعودي في الهيئة والنجوم ) و أهداهُ إلى السلطان مسعود الغزنوى و يُقال أن السلطان مسعود الغزنوى قد أهدى البيروني حِمل فيل من القِطع الفضية و لكن البيروني رفض هذه الهدية و قال : أنا أعمل حُباً في العلم ذاتِه و ليس من أجل مال أو جاه أو سلطان، فزاد قدر البيروني بما قاله عند السلطان مسعود الغزنوى ، وفي يوم الجمعة من شهر رمضان عام 428 هجري الموافق من شهر تموز 1037 ميلادي سمع البيروني خبر وفاة صديق عُمرِهِ ابن سينا فحزن عليه حزنا شديدا ، عاش البيروني في ظل السلطان مسعود أكثر من عشرة أعوام حتى بلغ من العمر ما يقارب 68 عاماً و حزِن البيروني حُزناً شديداً عندما سمع بموت السلطان مسعود الغزنوى، فقد ثار عليه قواد جيشه عام 430 هجري/ 1039 ميلادي .

زادت آلام الأمراض التي يعاني منها البيروني بعد وفاة صديقه السلطان محمود الغزنوى وفي مُقدِّمة هذه الأمراض مرض القولون و ثُقل السمع و ضعف في الإبصار و التنفس ، فعكف البيروني 8 سنوات في داره تفرغ فيها للبحث العلمي و تدريس عدد من طلاب العلم .
في بيته بمدينة غزنة دَرَّسَ البيروني عدد من الطلاب كتابه ( الدستور ) و كتابُهُ (الصيدلة في الطب) و قد كان قد جمع فيه ما تعلَّمَهُ من مُعلِّمُهُ الأول عالِم النبات الروماني .

عاش البيروني حياة علمية أنجز فيها ثمانية مؤلفات كبرى وأكثر من 100 كتاب والعشرات من الرسائل العلمية ، حتى أن علماء الغرب في عصرنا هذا لقبوا العصر الذي عاش فيه البيروني بعصر البيروني، و قد قال العرب عنه انه أعظم ظاهرة علمية في الحضارة الإسلامية، و أتقن البيروني في حياته العديد من اللغات، فقد أتقن اللغة الفارسية و الخوارزمية و العربية و السريانية و السنسكريتية و اليونانية.


وفاة البيروني :

في مدينة غزنة أحسَّ البيروني بإقتراب أجله فقام وتوضأ وصلى لربه ركعتا الفجر و قرأ من القرآن العظيم و إذ بروحه الطاهرة قد خرجت إلى بارئها، و كانت وفاة أبو الريحان أحمد بن محمد البيروني في يوم الأربعاء من شهر رجب سنة أربعمائة وأربعين هجرية الموافق الثالث عشر من شهر ديسمبر سنة ألف وتسعة و أربعون ميلادية، و قد مشى في جنازاته علماء غزنة و طُلاَّبه و أهل غزنة جميعهم حتى وصل إلى مثواه الأخير .

كان البيروني الأستاذ الأعظم في الفلك و الرياضيات و جميع العلوم الأخرى، لقد فقد العالم أعظم العلماء ( البيروني ) .


ألقابه :

لُقِّبَ أحمد بن محمد بألقاب كثيرة منها ( البيروني ) و لُقِّبَ أيضاً ( بالأستاذ ) و لُقِّبَ بـ ( عالم العلماء ) ولقب أيضاً بـ ( أعظم عظماء الأمة الإسلامية ) و كُنِيَّ البيروني بأبي الريحان .



إكتشافاته :

من اكتشافات البيروني :

اكتشف البيروني طريقة لتعيين الوزن النوعي، كما ساهم بتقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، و شرح كيفية صعود مياه الفوارات والينابيع من تحت إلى فوق، و كيفية ارتفاع السوائل في الأوعية المتصلة إلى مستوى واحد، و قد نبَّه إلى أن الأرض تدور حول محورها، و وضع نظرية لاستخراج محيط الأرض، و وضع جداول تُقارِن بين أشهر الفُرس و العبرانيين و الروم و الهنود و الأتراك، و بَحَثَ في إستخراج الأوتار بالدائرة و قد وضَّح في ذلك بعض النظريات أسماها دعاوى، كما ذكر الأوتار الرئيسية في الدائرة و التي أسماها أمهات الأوتار و ذَكَرَ قيَّم هذه الأوتار مع البراهين الهندسية التي تؤدي إلى استنتاجها، و قد أطلق العلماء الذين أتوا من بعده على هذه الأبحاث الهندسية ( مسائل البيروني ) ، كما تناول البيروني قوانين حساب المثلثات الكروية و توصل إلى قوانين جديدة تُقارب القوانين التي ندرسها الآن، كما وضع قوانين في إيجاد جيب الزاوية، و اكتشف طريقة لإيجاد أطوال أضلاع الأشكال الهندسية المُنتَظِمَة و مساحة الشكل الرباعي الدائري .

كما قدَّم البيروني الأدلة على ذلك بظهور أعالي الجبال أولاً للسائر نحوها ثم ظهور باقيها بالتدريج حتى قواعدها كما تحدَّث البيروني عن حركة الشمس و تفاوت سُرعتُها، كما تطرق إلى كسوف الشمس و خسوف القمر و كيفية حساب أوقاتهما و معرفة مقدار الجزء المُنكَسِف و مكانُه و أنواع الكسوفات ثم ذَكَرَ أن نور الشمس ذاتي بينما القمر جسم مُظلِم يستمد نوره من الشمس، و ذَكَرَ سبع طرق مختلفة لكيفية تعيين اتجاه الشمال و الجنوب و قام بِصُنع آلة على هيئة نصف كرة يرتكز مقطعها على أرض ملساء و شَرَحَ طريقة إستخدامِها، و إبتكر آلة للرصد تُسمى ( الإسطرلاب الأسطواني ). 

كما بَحَثَ في الظِل و ما يرسُمَهُ الأُفُق، وعارض نظرية ثابت بن قرة في تحديد الخطوط التي ترسمها الأطراف، كما تحدَّث عن تمدُّد المعادن بالحرارة و إنكماشها بالبرودة، و وضع نظرية لإستخراج مُحيط الأرض، و نظريات جديدة حول موضوع تكوُّن القشرة الأرضية و ما طرأ على اليابسة و الماء من تطورات خلال الأزمنة و الأحقاب الجيولوجية المُختلِفة مما لم يكُن معروفاً في عصره ، و قد تمكَّن البيروني من معرِفَة قدر الماء المُزاح، و أوجد الوزن النوعي لثمانية عشر عنصراً مُركَّباً، و شرح تجمُّع مياه الآبار بالرشح من المياه القريبة من جوانبها بحيث يكون مستوى المياه في هذه الآبار موازياً لمستوى تلك المياه، كما ذكر تراكيب الأدوية و أسمائها و ذكر أيضاً أكثر من ثلاثة آلاف نبات طبي مع وصف واضح لها وخصائص كلاً مِنها و المكان الذي تنبُت فيه .


مؤلفات البيروني : 

 1  كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية

 2  كتاب تاريخ الهند 

 3  مقاليد علم الهيئة وما يحدث في بسيطة الكرة

 4  كتاب القانون المسعودي في الهيئة والنجوم : وقد سجَّل فيه مبادئ علم الفلك وعلم تواريخ الأمم وقد برهن أيضاً في هذا الكتاب كروية الأرض و كروية النجوم و الكواكب الثابتة و السيارة و أيضاً برهن أن الأرض تدور حول الشمس و دوران القمر حول الأرض و دوران الأرض حول نفسها، كما اكتشف محور الأرض واكتشف الحركة الدورية للأرض حول الشمس مرة في كل عام و قدَّم تصوُّراً لقوة جاذبية الأرض .
 5  كتاب استيعاب الوجوه الممكنة في صفة الإسطرلاب

 6  كتاب أطوال البلاد وعروضها 

 7  كتاب الجماهر في معرفة الجواهر 

 8  كتاب اختلاف الأقاويل لاستخراج التحويل

 9  كتاب تهذيب الأقوال في تصحيح العرض والأطوال 

 10  كتاب تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن

 11  كتاب إيضاح الأدلة على كيفية سمت القبلة

 12  كتاب التفهم لأوائل صناعة التنجيم

 13  كتاب جمع طرق السائرة في معرفة أوتار الدائرة

 14  كتاب الصيدلة في الطب

 15  كتاب استخراج الأوتار في الدائرة بخواص المنحنى فيها

 16  كتاب أفراد المقال في أمر الظلال

 17  كتاب أطوال البلاد وعروضها

 18  كتاب الحساب

 19  كتاب الشعاعات والقمر

 20  كتاب امتحان الشمس

 21  كتاب رؤية الأهلة

 22  كتاب العمل بالإسطرلاب

 23  كتاب التطبيق إلى حركة الشمس

 24  كيفية رسوم الهند في تعلم الحساب

 25  كتاب في تحقيق منازل القمر

 26  كتاب جلاء الأذهان في زيج البتاني

 27  كتاب جدول القويم

 28  كتاب تهذيب فصول الفرغاني

 29  كتاب المسائل الهندسية

 30  كتاب تصور أمر الفجر والشفق في جهة الشرق والغرب من الأفق 

رَحِمَهُ الله، فلقد خسر العالم عَالِمِ العُلَماء و إني لأقول فيه :
(( لقد استحق بحق لقب عالِم العُلَماء )) 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك يدفعنا للإستمرار ^_^

 
Top