قصة حياة ابن الهيثم ( أبو علم البصريات ) - الكاتب (حمزة العمايرة) - مجتمع لازم تفهم

ibn-al-haytham-ابن-الهيثم
حقوق الصورة

نبذة عن حياته :

هو أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم ، وُلِدَ في مدينة البصرة في العراق يوم 1 يوليو عام 965 ميلادي الموافق 354 هجري ، وقد ذَكَرت بعض الكُتُب صفات إبن الهيثم الخَلقية، حيث أنه كان قصير القامة ضئيل الجسم واسع العينين عالي الجبهة وجهُهُ أسمر داكن .


كان الحسن، والد ابن الهيثم من أغنياء البصرة، فكانت طلبات ابن الهيثم مُجابة على الفور ، كان أبو علي الحسن شديد الحب للعلم و المعرفة و مولعاً بِدِراسة الرياضيات و الطبيعيات و الطب و الفلك و الفلسفة و المنطق ، فحَفِظَ القُرآن الكريم و هو في الثانية عشر من العُمر في مسجد من مساجد البصرة .

شب ابن الهيثم على قراءة كُتُب من سبقَهُ مثل الرازي و جابر بن حيان و الخوارزمي و غيره من العُلماء، فأحس ابن الهيثم برغبته الشديدة لفهم كل هذه الكتب، فقرر أن يضع خطة يدرس فيها هذه الكتب كلها و يفهمها عن الطريق الصبر و المُثابرة، فأخذ يدرُس كل ما وقعت يديه و عينيه عليه من كتب الرياضيات و بعدما انتهى من كتب الرياضيات للخوارزمي وغيره، ذهب ابن الهيثم إلى دراسة كُتُب الفلك ثم إلى دراسة كُتُب الفلسفة حتى فهمها جميعاً، و كان ابن الهيثم يضع الملاحظات و يستخلص أهم ما في الكتب .

كان ابن الهيثم يعمل كاتب حسابات بديوان الحسابات في البصرة و كان مُحاسِبَاً ماهِراً و كان أيضاً بالإضافة إلى أنه كاتب حسابات يعمل مُهندساً يأتي إليه الناس من أنحاء البصرة ليضع تصميمات بيوتهم ثم يُنَفِّذُها البناءون .

سمع أمير البصرة بِمهارة ابن الهيثم في الهندسة فطلب منه المجيء ليبني له قصراً جديداً في البصرة، فقال ابن الهيثم للأمير : " يا أيها الأمير أنا أضع التصاميم ثم يأتي دور البنائين في البناء " ، فأصرَّ الأمير على أن يُشرِف ابن الهيثم على البِناء فقال ابن الهيثم : " أيها الأمير ما تريد مني فعله هو من عمل طلبة المال و المنصب، و أنا مهندسٌ عالِم أعيش بعقلي و لست بهما طالب مال أو منصب " ، فثار الأمير على ابن الهيثم واتهمه بالغطرسة و الزندقة إذ لم يأتي إليه فقال ابن الهيثم للأمير : " أمهلني بعض الوقت لأفكر " ، فكَّر ابن الهيثم كثيراً و وصل إلى قرار و هو أن يهرُب من البصرة و يتجه إلى بغداد ، فذهب ابن الهيثم إلى أهله وأطلعهم على نيته في السفر و قام بتوديعهم و أخذ معه خادمته ريحانة و خادمه عدنان و انطلق في طريقه إلى بغداد، و كان ذلك عام 995 ميلادي الموافق 385 هجري وكان يبلغ من العمر حوالي 30 عاماً.

و كان ابن الهيثم قد ألَّف بعض الكتب في البصرة، منها كتاب الهيئة و هو كتاب في علم الفلك .
إستأجر ابن الهيثم بيتاً في بغداد و درس في بيمارستانها و أخذ رُخصة طبية تسمح له بمزاولة مهنة الطب، فبدأ بعدها عمله بنسخ الكتب للوراقين نهاراً و في الليل يُفرِّغ وقته للدراسة العلمية .

فَخَالَ لابن الهيثم أن العيون قد زالت عنه و لكن ما لبث أن علِم أمير البصرة بوجوده في بغداد فحرض أمير البصرة المتشددين و المُتَعصِّبين على ابن الهيثم ، و بعدما لاحظ ابن الهيثم أن المتشددين بدأوا بالتضييق و التشديد عليه أدرك أن بغداد لم تعد دار مقام، فوضع النية بالذهاب إلى الشام فأخذ معه خادميه و جهَّز المتاع و الدواب و إنطلق إلى الشام حتى وصل إلى مُبتغاه ، فإشترى فيها بيتاً واسعاً و كان معه من المال ما يكفيه ليُنفِق منه على أهل البيت و بعض الورق و الحبر ، و كان أمام بيته بُستان صغير اعتاد ابن الهيثم أن يجلس فيه تحت ظلال أشجاره يقرأ و يكتُب .

شاء القدر أن يلاحظ وجود ابن الهيثم في الشام أميراً من أُمرائها و كان قد عرفُهُ من رجل رسم صورة لابن الهيثم عندما ذاع صيته في البصرة و أهداها لذلك الأمير، فرحَّب الأمير بإبن الهيثم و دعاهُ إلى قصرِه .

ذهب ابن الهيثم إلى قصر ذاك الأمير و دُهِشَ عندما رأى مكتبة القصر، فكانت تضم كُتُب في كل المواضيع فقال الأمير لابن الهيثم : " لقد لاحظت مدى دهشتك و شغفك لقراءة هذه الكتب و أنا أُرحِّبَ بك في أي وقت تشاء لزيارة هذه المكتبة و لتلتقي بعلماء الشام فيها " .

صار ابن الهيثم يتردد على هذه المكتبة يقرأ فيها و يستعير منها الكُتُب و يلتقي بِعُلَمَاء الشام يُناقِشُهُم ويُبهِرُهُم بآرائه و كان ابن الهيثم يلتقي أيضا بالعلماء القادمين من مصر و يُحاوِرُهُم و يحاورونه و كان يسأل القادمين من مصر عن العالِم الفلكي إبن يونس لتوق ابن الهيثم للقائه .


عكف ابن الهيثم في الشام على تأليف وتلخيص الكتب وكان أمير الشام يأخذ كل كتاب من كُتُب ابن الهيثم و يضعها في مكتبته و ينسخها، فأمر أمير الشام بصرف راتب لابن الهيثم، فأبى ابن الهيثم أخذه فأصرَّ الأمير عليه فأخذ ابن الهيثم منه ما يكفيه ليومه .

و أما في مصر فقد أصاب نهر النيل الجفاف فجفَّت الأراضي و بدأ أهل مصر يحفرون الآبار و يشربون منها حتى مرَّت السنة الأولى على الجفاف ، و مع بداية السنة الثانية على الجفاف فرغت الآبار التي حفروها من الماء، فطلب خليفة مصر ( الحاكم بأمر الله ) الماء من الدول المجاورة فلبَّت تلك الدول نداء الخليفة ، و طالت سنوات الجفاف حتى دخلت في السنة الرابعة و كان قد هلك الزرع و رمال الصحراء قد غزت الأراضي و مات من الناس و الدواب الآلاف ، و ذات صباح إمتلئت القاهرة و المُدُن المُجاوِرة فرحاً برجوع الماء لنهر النيل وكان ذلك إنتهاءَ مرحلة الجفاف .

و ذات ليلة جلس ابن الهيثم يُفكِّر بحل لِمُشكِلَة الجفاف في مصر فخطرت في باله فكرة إنشاء سَدٍ تُجمَع فيه المياه لأوقات الجفاف المماثلة ، فعرض الفكرة على أمير الشام و كان يجلس معهم أبو الحسن الشابشتى و هو قيم مكتبة دار العلم بالقاهرة، فقال إبن الهيثم : " لو أني كنت بمصر لعملت بنيلها عملاً يُدرُّ في كل حالاتهِ نفعاً، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال " ، فنقل أبو الحسن الشابشتى ذلك إلى الخليفة الحاكم بأمر الله ففرح الخليفة بما سِمِعَه و بعث بالهدايا و الأموال إلى ابن الهيثم ليدعوه للمجيء إلى مصر ، فإستجاب ابن الهيثم لطلب الخليفة و كان قد بلغ من العمر 63 عاماً فأخذ معه خادميه، و قبل أن يصل إلى القاهرة وجد أن الخليفة الحاكم بأمر الله و معه جَمعٌ من العلماء جاؤوا لاستقباله.

أقام ابن الهيثم في القاهرة عدة أيام يستريح منها من عناء السفر ، و بعدما إستراح ذهب ابن الهيثم إلى ضفاف شلال جنوبي أسوان حيث قيل له أنه ينحدر من مكان عال فوجد بعد حسابات مُطوَّلة أنه كان على خطأ فجمع مُعِدَّاتِه و عاد إلى القاهرة ودخل على الحاكم بأمر الله و أخبره بفشله بالقيام بما قاله واعتذر منه فتظاهر الحاكم بأمر الله بقبول عذر ابن الهيثم و طلب الخليفة من رجاله إيجاد منصب له في ديوان من الدواوين و كان ابن الهيثم يريد الاعتذار عن قبول المنصب و لكنه خاف من بطش الخليفة به، فراح ابن الهيثم يُمارِس مهام وظيفته الجديدة مُتحسِّراً على سنين عمره التي كان من الممكن أن يصرفها في استكمال بحوثه العلمية.

و في يوم من الأيام جلس ابن الهيثم يُفكِّر في عمله فخطرت بباله فكرة و هي أن يتظاهر بالجنون لكي يعزله الخليفة من منصبه ، فأخذ ابن الهيثم بالتظاهر بالجنون و بلغ خبر جنون ابن الهيثم إلى الخليفة فعزله الخليفة عن عمله ووضع على بيته حارسان ، و بقي ابن الهيثم يقوم بالقراءة والتأليف خفية حتى لا يعلم الخليفة أنه يدَّعي الجنون، و كان خادمه عدنان يأتي لابن الهيثم بالكتب التي يُريدُها و كان أصدقاء ابن الهيثم يعلمون أنه يدَّعي الجنون و من بين من كان يعلم ذلك صديقه أبو الحسن الشابشتى و شقيقة الخليفة ست الملك و لكنها أخفت ذلك عن الخليفة خوفاً من الخليفة بأن يقوم بقتل ابن الهيثم و بقي يدعي الجنون حتى قُتِلَ الخليفة في منزله عام 1020 ميلادي الموافق 411 هجري ، عندئذ أدرك ابن الهيثم أنه لا داعي بأن يتظاهر بالجنون ، فإتَّجه إلى جامع الأزهر مُعاوِداً نشاطه العلمي .

بعد وفاة الخليفة إستدعت ست الملك ابن الهيثم و عرضت عليه راتباً شهرياً و ضمته إلى مجلس العلماء بدار العلم و لكنه اعتذر منها و عاد إلى نسخ الكتب و كسب عيشه منها ، أتى أحد طلاب العلم يدعى (مبشر ابن فاتك القائد) وطلب من ابن الهيثم أن يدرس على يديه، فوافق ابن الهيثم و بعدها بِمُدة أتى إليه ابن أمير من أمراء الشام و طلب من ابن الهيثم أن يضُمَّهُ إلى طُلاَّبِه فطلب منه ابن الهيثم 75 دينار في كل شهر مقابل تعليمه لمدة ثلاث سنوات ، و بعد إنقضاء ثلاث سنوات كان هذا الأمير الصغير قد وعى الكثير و حفظ الكثير الكثير على يد ابن الهيثم و فوجئ الأمير عندما رأى أن ابن الهيثم قد جمع كل المال الذي كان يعطيه إياه الأمير و أرجعه إليه وقال له : " هذه دنانيرك احتفظت لك بها خذها يا بني فلا أُجرَة في العلم و ما طلبتها منك إلى إختبارا لمدى رغبتك في العلم " .

انشغل إبن الهيثم في بقية سنين عُمرِه بدراسة ظواهر علم الضوء و البصريات و درس تشريح العين و أعطى لأجزائها مُسمَّيات ما زالت باقية حتى الآن ، حتى أنجز أعظم كتاب في علم البصريات ( المناظر ) .


كتاب المناظر هو كتاب من سبع مجلدات في مجال البصريات، الفيزياء، الرياضيات وعلم النفس ألفها العالم ابن الهيثم في مصر وهو تحت الإقامة الجبرية بين عامي 1011 إلى 1021 وهو كتاب مُهِم في تاريخ تطور علم البصريات.

وفاة ابن الهيثم :

بلغ ابن الهيثم من العمر 74 عاماً و قد أصابَتِهُ أمراض الشيخوخة فأحس بدنو أجله فقام وتوضأ وتوجه للقبلة و صلى لربه صلاته الأخيرة ثم جلس وبدأ يقرأ بسورة العنكبوت حتى وصل إلى قوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) ففاضت روحه الطاهرة إلى مالكها وكان ذلك يوم 6 مارس عام 1039 ميلادي الموافق 430 هجري في القاهرة ، هكذا عاش ابن الهيثم حياة مليئة بالأبحاث والاكتشافات نتاجها الطريقة العلمية الحديثة و القوانين و النظريات التي طرَّزت حياة ابن الهيثم و بقيت بعد وفاته نِبراساً يهتدي به العلماء ، و مضى في جنازة ابن الهيثم تلاميذه و أصدقائه و عُلماء مصر و الشام و بغداد و الأميرة ست الملك و عدد كبير من الرعية و أعيُنَهُم تفيض من الدمع ، حقاً لقد خسر العالم عالِماً رياضياً فيلسوفاً مُحِباً للعِلم، فلقد كان من قال : " و اشتهيت إيثار الحق و طلب العلم ، و استقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا أشياء أجود و لا أشد قربة إلى الله من هذين الأمرين ".


ألقاب إبن الهيثم :

لُقِّبَ الحسن بن الحسن بن الهيثم بألقاب عديدة، فلُقِّبَ بابن الهيثم، و لُقِّبَ أيضاً برائد علم الضوء، و نعتَهُ البيهقي بـ بطليموس الثاني، و لُقِّبَ بلقب أبو علم البصريات، و كُنِيَ بأبي علي .


مؤلفات ابن الهيثم :

كتب ابن الهيثم الكثير من الكتب من بينها :

 1  كُتُب في الرياضيات منها : كتب ابن الهيثم أبحاث في الهندسة وهي الهندسة المستوية و الهندسة الفراغية و كُتُب بحوث في المعادلات التكعيبية بواسطة القطاعات في الأجسام المخروطية، كما وضع قوانين لإيجاد مساحة الكرة و الهرم و الاسطوانة المائلة و القِطاع الدائر و القطعة الدائرة و قد وضع ابن الهيثم أكثر من ثلاثين مؤلفاً في الرياضيات .

 2  أما في الفلك، فقد ألَّف ما يُقارِب 25 مؤلَّفاً و أكثر من عشرين رسالة و استطاع أن يبتكر طريقة جديدة لتعيين ارتفاع القطب أو خط عرض المكان بشكل دقيق، كما استطاع أن يُبسِّط تَصوُّر سير الكواكب.

 3  أما في الفلسفة، فقد وضع عِدة مؤلَّفات و قد كان يختار فلسفة أرسطو مُنطَلَقاً لَهُ و درسها دراسة عميقة .

 4  كتب في الميكانيكا و في علم الضوء : كتب أعظم كتاب وهو كتاب المناظر و تمت ترجمة هذا الكتاب في مدينة لشبونة قبل 500 عام و درس العلماء الغربيين هذه النُسَخ و استفادوا منها و لا تزال مكتبة الفاتيكان تحتفظ بنسخة من هذه الترجمة .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك يدفعنا للإستمرار ^_^

 
Top